ابن عربي
468
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الثالث - في قوله تعالى « لَمَحْجُوبُونَ » عن علمهم بما يرونه ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول [ إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت ] فإذا ماتوا رأوا الحق غير أنهم محجوبون عن العلم به أنه هو ، مثل إذا كان في نفسك لقاء شخص لست تعرفه بعينه وأنت طالب له من اسمه وحاجتك إليه ، فلقيته وسلمت عليه من جملة من لقيت ، ولم يتعرف إليك ، فقد رأيته وما رأيته ، فلا تزال طالبا له وهو بحيث تراه ، فلا معول إلا على العلم ، فما هو محجوب ، هو مرئي للجميع لكنه لا يعلم ، فلأهل الجنة الرؤية متى شاءوا ، ولأهل النار في أحيان مخصوصة الرؤية ، فإن اللّه ما أرسل الحجاب عليهم مطلقا ، وإنما قال « يَوْمَئِذٍ » في قوله « كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ » لما تعود عليهم وأغلظ في حال الغضب ، والربوبية لها الشفقة ، فإن المربى ضعيف يتعين اللطف به ، فلذلك كان في حال الغضب عن ربه محجوبا ، فأورثه ذلك الحجاب أن جعله يصلى الجحيم ، لأنه قال بعد قوله « لَمَحْجُوبُونَ » الآية . - تحقيق - « كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ » مع قوله تعالى ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) فالكافر والمؤمن كلهم يرجعون إلى اللّه ، غير أنه ما كل من يرجع إليه يلقاه ، لذلك قال تعالى « كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ » . [ سورة المطففين ( 83 ) : آية 16 ] ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ( 16 ) فأتى بقوله « ثُمَّ » فما صلى الجحيم إلا بعد وقوع الحجاب ، ولذلك قيده بيومئذ ، فيدخلون من باب الجحيم أحد أبواب النار السبعة . [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 17 إلى 18 ] ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 17 ) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) في سدرة المنتهى حيث ترفع أعمال الأبرار ، ويدخل فيهم العصاة أهل الكبائر والصغائر . [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 19 إلى 21 ] وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ( 21 ) إن المقرب من كانت سجيته * سجية البر والأبرار تجهله